أبو حامد الغزالي

104

تهافت الفلاسفة

دليل ثالث لهم على قدم العالم تمسكوا بأن قالوا : وجود العالم ممكن قبل وجوده ، إذ يستحيل أن يكون ممتنعا ثم يصير ممكنا ، وهذا الإمكان لا أول له ، أي لم يزل ثابتا ، ولم يزل العالم ممكنا وجوده ، إذ لا حال من الأحوال يمكن أن يوصف العالم فيه بأنه ممتنع الوجود ، فإذا كان الإمكان لم يزل ، فالممكن على وفق الإمكان أيضا لم يزل ، فإن معنى قولنا إنه ممكن وجوده ، أنه ليس محالا وجوده ، فإذا كان ممكنا وجوده أبدا ، لم يكن محالا وجوده أبدا ، وإلا فإن كان محالا وجوده أبدا ، بطل قولنا إنه ممكن وجوده أبدا ، وإن بطل قولنا إنه ممكن وجوده أبدا ، بطل قولنا إن الإمكان لم يزل ، وإن بطل قولنا إن الإمكان لم يزل ، صح قولنا إن الإمكان له أول ، فإذا صح أن له أولا ، كان قبل ذلك غير ممكن ، فيؤدى إلى إثبات حال لم يكن العالم ممكنا ، ولا كان اللّه عليه قادرا . الاعتراض أن يقال : العالم لم يزل ممكن الحدوث ، فلا جرم ما من وقت إلا ويتصور أحداثه فيه ، وإذا قدّر موجودا أبدا لم يكن حادثا ، فلم يكن الواقع على وفق الإمكان بل على خلافه ، وهذا كقولهم في المكان ، وهو أن تقدير العالم أكبر مما هو ، أو خلق جسم فوق العالم ، ممكن ، وكذا آخر فوق ذلك الآخر ، وهكذا إلى غير نهاية ، فلا نهاية لإمكان الزيادة ، ومع ذلك فوجود ملاء مطلق لا نهاية له غير ممكن ، فكذلك وجود لا ينتهى طرفه غير ممكن ، بل كما يقال : الممكن جسم متناهي السطح ، ولكن لا تتعين مقاديره في الكبر والصغر ، فكذلك الممكن الحدوث ، ومبادئ الوجود لا تتعين في التقدم والتأخر ، وأصل كونه حادثا متعين ، فإنه الممكن لا غير .